د. مستورة بنت عبيد الشمري
عضو مجلس الشورى
مما لا شك فيه أن التعايش قيمة اجتماعية كرى، حيث يمثل جزءا أساسياً من عقيدة الإسلام، وأحد أهم معايير التقوى والصلاح والتحضر والتقدم في المجتمعات وركيزة الأمن والاستقرار في المجتمع، وقد برز مصطلح التعايش ) coexistence ( في
الأدبيات السياسية منذ مؤتمر برشلونة للحوار الأورو-متوسطي عام ١٩٩٥م، وفرض المصطلح نفسه على أدوات وآليات عمل الأمن والسلم في الاتحاد البرلماني الدولي منذ يونيو ٢٠١٤م، وذلك من خلال محاولة تغيير قواعد الممارسة السياسية في
النزاعات الدولية والوطنية، بدعم الحوار بين الأطراف المتنازعة من خلال تشكيل أدوات تدخل لإحياء وتفعيل الحوار، وفرق عمل برلمانية عالية المستوى.
ويمكن القول إن هناك نوعاً من فوضى المصطلحات السياسية وغموض لمعانيها في السياقات السياسية. ومن بينها، على سبيل المثال، مصطلحات كانت رنانة منذ التسعينات، ومنها مصطلح التحمل/ التسامح ) TOLERANCE ( ، الذي تبن عدم جدواه من ناحية المضمون، حيث يفرض المصطلح أنّ تحمُّل الضغط من طرف مقابل الآخر هو طريق للتعايش، فهو مضمون يرضي المستعمِر، ولكنه لا يرضي المستعمَر، وأيضاً مصطلح السلام PEACE( (، الذي تحول، من اتساعه وتكراره، من مصطلح سياسي يمكن الوصول إليه بالحوار والمفاوضات، إلى مصطلح أدبي رومانسي فضفاض، وينطبق ذلك أيضاً على مصطلح حقوق الإنسان HUMAN RIGHTS( (، حيث اختلف الجوهر القانوني الحقوقي عن التطبيقات السياسية الواقعية، فبات يُنظر إليه كأداة
عقابية وأداة مهمة للضغط السياسي ضمن أدوات الدول الغربية فشككت الدول الأخرى في جدوى تلك الأداة.
ولتحصن مصطلح التعايش ثقافي وتشريعياً ثم قانوني ،ً وحى لا يلحق مصطلح التعايش سابقيه من مصطلحات فقدت مضمونها، يجب البناء على فهم عيوب أمثلة المصطلحات السابقة. فضمانة التحصن التعريفي للمصطلح تتركز في التأسيس التشريعي له، بمعنى وضع تعريف تشريعي للتعايش قابل للتقنين، ومتفق عليه على المستوى الوطني. وكذلك يتطلب الأمر وضع تعريف دولي متعدد الأطراف، بقرار دولي، ومتفق عليه، لتعريف المصطلح، وبذلك يحل مصطلح التعايش تلقائيا وقانونيا وسياسيا مكان مصطلح السام غير المحدد والفضفاض.
فإن كان تعريف مصطلح التعايش يستند إلى التشريع، فإن ضبط مصطلح التعايش يستند إلى تحديد إطاره وبيان أدواته.
ونحن بصدد ذلك إذ نثمن حالة التعايش التي هي أسمى من مجرد حوار بين شرائع وعقائد لن تتفق في يومٍ من الأيام، وإنما على النقيض من ذلك نردد مع القائلين بأن هدفنا هو إدارة الاختلاف، وليس القضاء عليه، سعينا موجه بشكلٍ واضحٍ إلى
تعزيز جملة التشريعات ذات الارتباط بقيم المساواة وحقوق المواطنة الي تنطلق من نصوص قانونية أيّاً كان مصدرها سواء أكانت مقاصد الشريعة، وكذا مقاصد القانون الي ربما لا تختلف كثيراً في جوهرها عن الأولى.
ولتكن حرية العقيدة كواحدة من الحريات العامة مكفولة للجميع وفق ما تنص عليه دساتير المجتمعات قاطبةً، ولنأخذ بعين الاعتبار أن تظل حرية العقيدة بمنأى عن مسائل حقوق الإنسان والحريات المدنية بمفهومها الغربي الذي ربما يكون مؤدلجاً.
وتأسيس على ما سبق، ربما لا نتحرج الآن أن نبحر بالدين بعيداً عن الولوج به إلى معترك ومنزلق تسييسه حال ما أرهق العديد من المجتمعات شرقاً وغرباً، وهو ما يفرض علينا التكاتف رفضاً بشكلٍ جادٍ لاستدعاء الدين وتوظيفه في النزاعات والتي غالباً ما تكون ذات أبعادٍ سياسية، فالمشكلة كانت ولا تزال في التطبيق للنصوص المقدسة، وليست في النص ذاته، فالأديان لم تكن قط بريداً للحروب أو باعثة يوماً ما لمشاعر الكراهية والتعصب والعداء.
وختام ،ً ربما يتعين علينا ونحن بصدد التوترات الجيوسياسية وكذا تدهور التوازنات العقائدية مروراً بأزماتٍ إنسانيةٍ ذات بعدٍ هوياتي تشهدها منطقتنا العربية والإسلامية، أن نرد الاعتبار لحكم القانون الذي يضمن لنا الحفاظ على حالة المجتمع الهادئ والمنضبط الذي ننشده جميع .ً فحكم القانون كما نفهمه هو وسيلتنا الحاسمة نحو حكمٍ مؤسَسٍ على سيادة القانون واحترامه، وأن الجميع سواسية أمامه، فلا فارق على أساسٍ ديني أو عرقي أو لغوي أو مذهبي. وتستشف عين المدقق لحالة العالم خلال السنوات القليلة الماضية أننا نحتاج إلى: إعادة النظر في قواعد القانون الدولي وما يتصل بها من بواعث إلزامية.
وأخراً، نقول بعبارةٍ واضحةٍ: إذا أردنا مجتمعات متعايشة، أكثر تسامحاً ورحابةً فلنتجاوز مسألة الحوار بن الأديان، ولنبحث في قواعد ونصوص قانونية أكثر ارتباط بمفاهيم الحريات والحقوق المصحوبة بتطبيقاتٍ واقعيةٍ تتجاوز ما أراقه المعنيون من حبرٍ لتسجيلها في مجرد نصوصٍ مكتوبةٍ.
شارك
يجب ان تكون مسجلا لكي تتمكن من التعليق