في ظل ما يشهده العالم من نهضة ثقافية وفكرية وعلمية متسارعة وطفرة تكنولوجية وإعلامية هائلة في عصر العولمة واتساع سقف الحريات، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لحوار الأديان، في محاولات لسد الفجوة بين مختلف العقائد والأديان وتقريب وجهات النظر والرؤى والأفكار بين أتباعها وتصحيح الأفكار والمفاهيم المغلوطة لديهم بغية الخروج بثقافة إنسانية جامعة توحد ولا تفرق، ولا تتوقف عند عتبات العنصرية والتطرف، بل تتجاوزها بكثير من الرقي والتفهم للعيش بسلام والقبول بالاختلاف الذي خلقه الله عز وجل في هذا الكون الفسيح، وجعله متسعاً لجميع خلقه باختلاف دياناتهم ومعتقداتهم وألوانهم ونسبهم وثقافاتهم وأعراقهم.
- رؤى مشتركة
ويأتي كتاب "حوار الأديان وأثره على التعايش السلمي.. ماليزيا نموذجاً" للكاتب الصحفي والباحث المصري محمد ثروت، ليسلّط الضوء على فهم القواعد العقدية السامية للأديان، ودوها في ترسيخ التعايش السلمي تطبيقًا على النموذج الماليزي،
مؤكدا على أهمية القيم الإنسانية النبيلة المشتركة، والوصول إلى رؤى مشتركة في المشكلات التي تواجه مختلف العقائد والأديان، حتى تحل ثقافة المحبة والسلام والتآخي والتعايش السلمي محل الكراهية والتعصب والتطرف.
ويعتبر هذا الكتاب من الدراسات المهمة، كونه يؤصل للقواعد الأساسية لمفهوم الحوار ومبادئه التي تتعايش بها الأمم، ويوجه بها إلى لم الشمل بين طوائف الأمم الواحدة، باختلاف الثقافات والأديان، ذلك أن الحوار بمفهومه الإنساني الذي أجمعت عليه الأديان والثقافات المختلفة هو سماع الآخر بإنصات وتمعن للوقوف على القواسم المشتركة في التعايش والأمن المجتمعي، وقد أصل الكتاب لذلك نظرياً، ثم أوقع هذا التأصيل بضرب نموذج على الواقع وهي الدولة الماليزية، التي قدمت نموذجاً فريداً، ليس لدول آسيا فحسب، بل للمجتمعات العربية والإسلامية في التعايش بين المختلفين دينياً وعرقياً .
وتأتي أهمية هذا الكتاب الذي هو في الأصل أطروحة نال بها المؤلف درجة الماجستير من كونه يعالج قضية الحوار بين الأديان وذلك عبر القضاء على ظاهرتي التشدد الديني وممارسة العنف باسم الدين، والبحث عن حلول لسلبيات العولمة من صراعات وحروب تقودها القوى العظمى المهيمنة على العالم، لافتاً إلى أن الحوار في الإسلام يأتي لتبيان الحق وإقراره؛ فالله -عز وجل- حاور الملائكة، وحاور سيدنا إبراهيم عليه السلام، كما كان هناك حوار مع إبليس، ولو أراد الله أن يقضي أي شيء بقوته
وقدرته لفعل، لكن الله عز وجل يعلمنا أنه على الرغم من أنه سبحانه وتعالى يملك القوة والقدرة على إنفاذ ما يريد إلا أنه يحثنا على الحوار مع المختلفين معنا؛ ليعلمنا أهمية نشر السلام والحوار بين الجميع، خاصة مع من نختلف معه في الدين .
- تفاهم واحترام
وأشار الكتاب إلى ضرورة العمل على المشتركات بين الأديان والتعايش، لحفظ السلام والأمن المجتمعي وتحقيق المصالح المشتركة لخدمة الإنسانية جمعاء، واهتم بخطورة غياب الحوار الصادق الذي يدرس أبعاد الحوار الديني من مختلف زواياه
التاريخية والفلسفية والدينية، لمعرفة أسباب ربط أي دين بالصراع والنزاع.
كما تناول الكتاب الحوار في القرآن الكريم، وتناول أيضًا السنة النبوية، ممثلة على ذلك بالمعاهدات السياسية التي عقدها النبي -في المدينة المنورة بين المسلمين واليهود .
وناقش الكتاب، الحوار الديني: معناه، وجذوره، وشروطه، ومحاوره، حيث تطرق إلى نشأة حوار الأديان منذ الحوار الأول عام 1893 في شيكاغو الذي جاء بعنوان "البرلمان العالمي للأديان" وانتهاء بوثيقة الأخوة الإنسانية عام 2019 ، وتضمن تعريفًا
للتفاهم والاحترام المتبادل بين الأديان، وذلك بتثقيف الناس بالمشتركات التي تجمع الأديان العالمية توحيدية وغير توحيدية.
كذلك أكد أهمية القضاء على الجهل والتمييز والتعصب الطائفي للحد من الصراعات في المجتمعات الإنسانية، والعمل على التعاون من أجل إقرار الأخلاق المشتركة بين الأديان، ومنها القضاء على الفقر، والالتزام بكل ما يحقق كرامة الإنسان وحقوقه، ومواجهة الانحلال الأخلاقي أينما وجد. كما استعرض أنواع الحوار، مثل )حوار الحياة، وحوار التعاون( لكن "حوار الحياة" يدل على تفاعل اجتماعي غير رسمي على مستوى القاعدة الشعبية بين الأفراد أو في المجتمع، كما في المعاملات التجارية، الاحتفالات والنظام التعليمي الذي يشجع على التعددية، والزواج المختلط بين المختلفين في الثقافات والديانات.
وأكد الكتاب على أهمية تعريف التفاهم والاحترام المتبادل بين الأديان، وذلك بتثقيف الناس بالمشتركات التي تجمع الأديان العالمية توحيدية وغير توحيدية، كما بينت أهمية القضاء على الجهل والتمييز والتعصب الطائفي للحد من الصراعات في
المجتمعات الإنسانية، والعمل على التعاون من أجل إقرار الأخلاق المشتركة بين الأديان، ومنها القضاء على الفقر، والالتزام بكل ما يحقق كرامة الإنسان وحقوقه، ومواجهة الانحلال الأخلاقي أينما وجد.
كما قدم الكتاب تحليلا وتفسيرا علميا موثقا، لتأثير الحوار الديني على الثقافة والتنمية، فكانت نموذجا للتعايش في القارة الآسيوية بخلاف بعض الدول التي لا تزال تعاني من أزمات طائفية وعرقية.
- قضايا ومشكلات
وعلى الرغم من أن معظم الدراسات العربية والإسلامية كانت تحدثت عن الإسلام والتسامح مع غير المسلمين في النموذجين العربي والإسلامي، من خلال مفهومين فقط هما أهل الذمة وأهل الكتاب، لكن هذا الكتاب نبه إلى ضرورة الانفتاح على التجارب الآسيوية، وكيفية التسامح مع الأديان، حيث سلط الضوء على تجربة التعايش والتعددية في ماليزيا، وتاريخ الصراع العرقي والديني بماليزيا، وجهود الدولة في التعايش وحوار الأديان.
وأوضح أنه على الرغم من وجود أكثر من 200 عرقية في ماليزيا، بالإضافة إلى عشرات الديانات الرسمية والشعبية المحلية هناك، وأن الديانات الرئيسة هناك هي الإسلام، والهندوسية، والبوذية، والمسيحية، إلا أن مفهوم الحوار يتحقق مفهوم
الحوار في ماليزيا بين كل الأديان بشكل يومي في الحي والمجتمع والمدرسة والجامعة مبينا أن الحوار في ماليزيا نجح مع وجود مشكلات عرقية، مثل صراع الملايو والصينيين عام 1969 نتيجة للتفاوت الكبير في مستوى المعيشة، لتحكم الصينيين في
اقتصاد البلاد وتجارتها على العكس من الملايو الذين كانوا يشتكون من انتشار الفقر وتدني مستويات المعيشة.
وأوضح الكتاب أن من مبادئ الحوار في ماليزيا أن الدين مسألة شخصية بين المواطنين، كذلك تحديد مفهوم الأمة الذي ينبغي ألا يب ى على الدين ن فقط، ورفض مفهوم الثقافة المهيمنة، وكذلك وقف الاستقطاب العنصري، لافتا الانتباه إلى دور الشباب في صنع الحوار، فهم عصب كل أمة، وكان لهم دور كبير في الحوار في ماليزيا.
وخلص الكتاب إلى أهمية دعم وتعزيز ثقافة الحوار بين الأديان السماوية، وذلك بهدف تعزيز التعايش السلمي بين معتنقي الأديان وتفعيل القيم الدينية المشتركة لمعالجة قضايا ومشكلات المجتمعات، لافتا إلى أن غاية التنوع هو التعارف، الذي يقتضي حواراً يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، داعيا إلى تعزيز قيم التسامح والتواصل بين الناس بما يخدم البشرية ونبذ التعصب وحظر لغة الكراهية والتحريض، ونشر السلام والمحبة بين شعوب العالم، والانخراط في حوار بنّاء من أجل تحقيق الأمن والاستقرار.
شارك
يجب ان تكون مسجلا لكي تتمكن من التعليق